أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

69

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

45 - ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها « 1 » ومنه : « إملاك العروس » لأنه عقد وربط للنكاح . وقرئ : مالك « 2 » بالألف قال الأخفش : يقال : ملك بين الملك بضم الميم ، ومالك بين الملك بفتح الميم وكسرها ، وروى ضمها أيضا بهذا المعنى . وروى عن العرب : « لي في هذا الوادي ملك وملك وملك » مثلثة الفاء ، ولكن المعروف الفرق بين الألفاظ الثلاثة فالمفتوح الشد والربط والمضموم هو القهر والتسلط على من يتأتى منه الطاعة ، ويكون باستحقاق وغيره ، والمسكور هو التسلط على من يتأتى من الطاعة ومن لا يتأتى منه ، ولا يكون إلا باستحقاق فيكون بين المكسور والمضموم عموم وخصوص من وجه . وقال الراغب : « والملك - أي بالكسر - كالجنس للملك - أي : بالضم - فكل ملك - بالكسر - ملك ، وليس كل ملك ملكا » فعلى هذا يكون بينهما عموم وخصوص مطلق ، وبهذا يعرف الفرق بين ملك ومالك ، فإن ملكا مأخوذ من الملك - بالضم - ومالكا مأخوذ من الملك - بالكسر - . وقيل : الفرق بينهما أن الملك اسم لكل من يملك السياسة : إما في نفسه بالتمكن من زمام قواه وصرفها عن هواها ، وإما في نفسه وفي غيره سواء تولى ذلك أم لم يتول . وقد رجح كل فريق إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط القراءة الأخرى ، وهذا غير مرضي ، لأن كلتيهما متواترة ، ويدل على ذلك ما روي عن ثعلب أنه قال : « إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب في القرآن فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى » . نقله أبو عمر الزاهد في « اليواقيت » وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة « 3 » : « وقد أكثر المصنفون في القراءات والتفاسير من الترجيح بين هاتين القراءتين ، حتى أن بعضهم يبالغ في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى ، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين وصحة اتصاف الرب تعالى بهما ، ثم قال : « حتى إني أصلي بهذه في ركعة ، وبهذه في ركعة » ذكر ذلك عند قوله : ملك يوم الدين ومالك . ولنذكر بعض الوجوه المرجحة تنبيها على معنى اللفظة لا على الوجه الذي قصدوه . فمما رجحت به قراءة : مالِكِ أنها أمدح لعموم إضافته إذ يقال : ( مالك الجن والإنس والطير ) وأنشدوا على ذلك : 46 - سبحان من عنت الوجوه لوجهه * ملك الملوك ومالك العفو « 4 » وقالوا : « فلان مالك كذا » لمن يملكه بخلاف « ملك » فإنه يضاف إلى غير المملوك نحو : « ملك العرب والعجم » ، ولأن الزيادة في البناء تدل على الزيادة في المعنى كما تقدم في الرَّحْمنِ ، ولأن ثواب تاليها أكثر من ثواب تالي « ملك » .

--> ( 1 ) البيت لقيس بن الخطيم انظر ديوانه ( 3 ) ، حماسة أبي تمام بشرح التبريزي ( 1 / 178 ) ، والمرزوقي ( 2 / 51 ) ، القرطبي ( 1 / 166 ) ، مشكل القرآن لابن قتيبة ( 174 ) ، ديوان المعاني ( 2 / 51 ) ، المختار من مشعر بشار ( 91 ) ، البحر المحيط ( 8 / 184 ) ، الأغاني ( 3 / 160 ) ، وملكت : أي شددت وقويت . ( 2 ) انظر تفسير القرطبي ( 1 / 139 ) . ( 3 ) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي أبو القاسم شهاب الدين أبو شامة مؤرخ محدث باحث ، توفي سنة 665 ه . فوات الوفيات ( 1 / 252 ) ، بغية الوعاة ( 297 ) ، غاية النهاية ( 1 / 365 ) ، الأعلام ( 3 / 299 ) . ( 4 ) البيت من شواهد البحر المحيط . انظر ( 1 / 22 ) .